طباعة

الطريقة القادرية - تعريف عام

الأربعاء, 30 نوفمبر 2016     كتبه 

تنتسب هذه الطريقة إلى مؤسسها سيدى عبد القادر الجيلاني، صاحب الطريقة القادرية (الجيلانية).

فإلى جانب الطريقة الرفاعية العراقية الأصل، ظهرت الطريقة القادرية العراقية الأصل أيضًا، مواكبة ومعاصرة لها في قرن واحد من الزمان، وانتقلت من فرات ودجلة العراق إلى أرض مصر، في القرن السابع الهجري، قرن الطرق الصوفية بحق.

وفي البداية نتعرف على الجيلاني.

يقول عنه صاحب (قلائد الجواهر)، هو: محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح جنكي دوست موسى بن أبي عبد اللَّه يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد اللَّه بن موسى الجون بن عبد المحصن بن الحسن المثنى بن محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ت([1]).

ويتابع الشيخ التادفي في كلامه، فيقول: «قال سيدنا الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجيلاني: كان والدي يتكلم في الأسبوع ثلاث مرات بالمدرسة، بكرة الجمعة وعشية الثلاثاء وبالرباط بكرة الأحد، وكان يحضره العلماء والفقهاء والمشايخ وغيرهم، ومدة كلامه على الناس أربعون سنة، أولها سنة 521هـ، وآخرها سنة 561هـ، ومدة تصدره للتدريس والفتوى ثلاث وثلاثون سنة، أولها سنة ثمان وعشرين، وآخرها سنة إحدى وستين([2]).

لقد كان الشيخ عبد القادر الجيلاني رسالة كبيرة ودعوة سامية، فقد «رأى الجيلاني ما أصيب به المسلمون من تشتت وافتراق وتناحر، وما استولى عليهم من حب الدنيا والتقاتل على الملك والجاه والسلطان وانصراف الناس إلى المادة والمناصب والولايات، والتفافهم حول الملوك والأمراء وتقديسهم لهم، عاش الشيخ متصلًا قبل ذلك بشعوره وآلامه، بعيدًا عن كل ذلك بقالبه وجسمه، وانصرف بكل همته وقوته وإخلاصه إلى الوعظ والإرشاد والدعوة والتربية، وإصلاح نفوس المسلمين، وتزكيتها ومحاربة النفاق والشغف بالدنيا، والتكالب على حطامها ومناصبها «إثارة الشعور الإيماني وتقوية عقيدة الآخرة، والتجافي عن دار الغرور»([3]).

ولقد اهتم الجيلاني بالإصلاح وتوجيه العباد «وكان أبو سعيد قد بنى مدرسة لطيفة (بباب الأزج) ففوضت إليه، وضاقت مدرسته بالناس، ومن ازدحامهم على مجلسه، فجلس للناس عند السور أيامًا، ثمَّ وسعت بما أضيف إليها من المنازل والأمكنة التي حولها، وبذل الأغنياء في عمارتها أموالهم، وعمل الفقراء بها بأنفسهم، واكتملت المدرسة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وصارت منسوبة إليه([4]).

وكان سيدي عبد القادر الجيلاني جريئًا في الحق «لمَّا ولى المقتفى لأمر اللَّه أمير المؤمنين للقاضي ابن المزاحم الظالم، قال على المنبر: ولَّيت على المسلمين أظلم الظالمين، ما جوابك عند رب العالمين أرحم الراحمين؛ فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي المذكور لوقته»([5]).

وممَّا يدل على شجاعته وجرأته في الحق قوله في كتابه (الفتح الرباني):

«إنِّي أقول لكم الحق، ولا أخاف منكم ولا أرجوكم، أنتم وأهل الأرض عندي كالبق والذر؛ لأني أرى الضرر والنفع من اللَّه  لا منكم، المماليك والملوك عندي سواء»([6]).

وقال مخاطبًا تلك الفئة من العلماء الذين يداهنون السلاطين وينافقونهم «أين أنتم، وهم؟» يقصد بهم العلماء الذين لا يخشون غير اللَّه تعالى، «يا خونة في العلم والعمل، يا أعداء اللَّه ورسوله، يا قاطعي عباد اللَّه ؟ أنتم في ظلم ظاهر، ونفاق إلى متى؟ يا علماء، يا زهاد، كم تنافقون الملوك والسلاطين، حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها! أنتم وأكثر الملوك في هذا الزمن ظلمة وخونة في مال اللَّه  في عباده، اللَّهم اكسر شوكة المنافقين، وخذ بهم أو تب عليهم، واقمع الظلمة وطهر الأرض منهم أو أصلحهم([7]).

وكان يدعو مريديه إلى العمل، ويؤكد أنَّ الطريق ليس كلامًا أو مهادنة للحياة، فاللَّه يحب عباده العاملين «اعبدوا اللَّه ، واستعينوا على عبادته بكسب الحلال، إنَّ اللَّه  يحب عبدًا مؤمنًا مطيعًا آكلًا من حلاله، ويحب من يأكل ويعمل، ويبغض من يأكل ولا يعمل، يحب من يأكل بكسبه، ويبغض من يأكل بنفاقه وتوكله على الخلق([8]).

اتباعه السنة والشرع:

وكان يدعو أتباع طريقته القادرية إلى اتباع السنة والشرع، يقول لهم في قوة: «اتباع الشرع موجب لسعادة الدارين، فاحذر الخروج من دائرته، وإيَّاك أن تفارق الإجماع الشرعي والإجماع على أهل اللَّه... وأقرب الطرق إلى اللَّه تعالى لزوم قانون العبودية، والاستمساك بأصول الشريعة وفروعها، والاستقامة على الجادة([9]).

وكان ت يقول: تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق، ثمَّ تدلى منه صورة تناديني يا عبد القادر، أنا ربك، وقد حللت لك المحرمات؛ فقلت: اخسأ

يا لعين، فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان، ثمَّ خاطبني يا عبد القادر، نجوت مني بعلمك بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق، فقلت: للَّه الفضل، فقيل له: كيف علمت أنَّه شيطان، قال: لقوله قد حللت لك المحرمات»([10]).

لقد كان الجيلاني بحق «متسننًا عابدًا واعظًا قامعًا لنفسه، ناصحًا لغيره، صادقًا في حاله، مبغضًا للبدعة وأصحابها([11])، وهذا مما يجعلنا ندافع عن الإمام عبد القادر الجيلاني، فيما نسب إليه من تهم يدحضها سلوكه وأقواله وأفعاله.

يقول صاحب (ترياق المحبين): «أخبرني الشيخ الزاهد العارف محمد بن عدنان المشهدي، عن الشيخ يوسف أبي زكريا العسقلاني الحنبلي، أنَّه سأل عن الشيخ محمد بن علي بن إدريس اليعقوبي، أحد أركان طريق القوم، عن الذي يسمع في هذه الأزمنة، وينقل عن لسان الشيخ عبد القادر الجيلاني قدَّس اللَّه سره، من الشطوحات والكلمات المشوبة بالعجب، والدعوى والتجاوز، وغير ذلك من الألفاظ التي يردها الشرع، مثل قولهم: إنَّه يقول: قال لي ربي، يا غوث الأعظم، أكل الفقير أكلي، وقوله للخضر: إن كنت قلت لموسى إنَّك لن تستطيع معي صبرًا، فأنت لا تستطيع معي صبرًا، وقوله: أنا أحفظ مريدي في غيبته وحضوره، ومريدي لا يدخل النار ولو كان على سبيل مكروه، إن كان مريدي رديًّا فأنا جيد، وقوله: قدمي على رقبة كل ولي، وقوله للميت: قم بإذني وأمثال ذلك، وأمثاله منه، وهل هذا صحيح وله وجه عند العارفين، فقام منزعجًا وجلس ثمَّ قال: جلست مع الشيخ عبد القادر، وأكلت معه ونمت معه وسافرت معه وحضرت معه، فواللَّه، ما رأيته تحرك بحركة ولا سمعته تكلم بكلمة تخالف الشرع الشريف أبدًا، الشيخ عبد القادر رجل عارف، عابد زاهد، خائف خاشع، ذو مجاهدة وأوراد وأذكار، كثير البكاء، مخلص واعظ، عالم عامل ورع، عامل بعلمه، له وجود حال وذوق وكشوفات وكرامات، وأحوال صالحة وحرمة في قلوب أهل الدين»([12]).

ونحن نقول ما قلناه سابقًا، إنَّ سلوك الشيخ عبد القادر الجيلاني وقوله، يدلان على أنَّ صاحب الطريقة القادرية كان العابد الزاهد العامل بكتاب اللَّه وسنة رسوله، إنَّ الرجل الذي دعا إلى اتباع الشرع وسنة الرسول الكريم في وصاياه المتعددة؛ يجعلنا نشك فيما نسب إليه من افتراءات وأقوال كاذبة، فلقد كان الشيخ عبد القادر الجيلاني جهوده الطيبة في إسلام كثير من يهود ونصارى العراق، وعلى يده الكريمة تاب الكثيرون من العاصين والفجرة بفضل نصحه وإرشاده ودعوته الصادقة.

طريقة سيدي عبد القادر الجيلاني ومبناها:

يقول الشيخ علي بن الهيتي ت، عن الشيخ عبد القادر الجيلاني: «كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة، وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء»([13]).

وكان الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه، يقول: كان الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار، بموافقة القلب والروح، واتحاد الباطن والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع والضر، والقرب والبعد([14]).

ويقول صاحب مخطوطة (السلسبيل المعين في طرائق الأربعين) ([15]): ومبنى الطريقة القادرية على الذكر الجهري في حلقة الاجتماع والرياضة الشاقة في العكفة بالتدريج في تقليل الأكل والفرار من الخلق، وسلوكهم مصحوب في البداية باستحضار جلال اللَّه وعظمته، فبذلك تنقمع النفس وتتهذب؛ لأنَّ التربية بالجلال أسرع للتخلص من الرعونات، وصفة الجلوس للذكر أن يجلس متربعًا ويمسك بإبهام الرجل اليمين مع ما يليه من العرق المسمى بالكيماس (وهو العرق العظيم الذي هو في جوف قفل الركبة)، ويضع يديه على ركبته، فاتحًا أصابعها بنقش لفظ اللَّه، ويذكر بـ (اللام)

ويلازمها مدة؛ حتى ينشرح الصدر ويكاشف بالأنوار الإلهية، ثمَّ ينشغل بذكر أوراد برادى (أي ذكر الغناء والبناء المنسوب إلى الشيخ عبد القادر، وهو أن يجلس كما مر ويدير وجهه جانب الكتف الأيمن، قائلًا: (هاء)، ويدير وجهه إلى الأيسر قائلًا: (هو)، ويحتضن رأسه ضاربًا في نفسه بقوله: (حي)، وتعود إلى العمل بلا توان.

كيفية الانتساب للطريقة القادرية([16]):

يقول الجيلاني: «فالذي يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح، الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة، سنة الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والأولياء والصديقين؛ فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما أمرًا ونهيًا، أصلًا وفرعًا؛ فيجعلهما جناحيه يطير بهما في الطريق الواصل إلى اللَّه ، ثمَّ الصدق ثمَّ الاجتهاد؛ حتَّى يجد الهداية والإرشاد إليه، إضافة إلى هذين الأصلين الشريفين يضع الجيلاني قواعد يعتبرها مكملة، ولو أنَّها في حقيقتها مستمدة من الشرع، وهي كما يرى الجيلاني «سلامة الصدور، وسخاء النفس وبشاشة الوجه، وبذل الندى وكف الأذى، والفقر وحفظ حرمات المشايخ، والعشرة مع الإخوان، والنصيحة للأصاغر والأكابر، وترك الخصومة والأسفاف، وملازمة الإيثار، ومجانبة لاادخار، وترك صحبة من ليس من طبقتهم، والمعاونة في أمر الدين والدنيا»، هذا من حيث الاعتقاد والإيمان والعمل.

أما عن كيفية الانتساب للطريقة القادرية، فإنَّ كل سالك للطريقة القادرية عليه أن يمر بمرحلتين.

1- أولهما مرحلة الابتداء: تبدأ أو تنتهي بجلسة واحدة، قد تستغرق أقل من نصف ساعة على الأكثر، إذا كان العمل فيها جديًّا، ولهذه المرحلة مراتب، نذكرها كالآتي:

أولاً: اللقاء الأول، ويكون بين المريد وبين الشيخ، ويتضمن العهد والاتفسار والتوبة والطاعة والذكر.

والعهد من الأمور المهمة في الطريقة القادرية، والعهد بالنسبة للسالك لا يتم إلا على يد شيخ معترف، له بالمشيخة، ومجاز بالتربية الصوفية، واللقاء يأخذ الخطوات التالية:

1- قبل البدء يصلي المريد ركعتين نفلًا للَّه تعالى، وقراءة الفاتحة للنبي صلى الله عليه وسلم ولإخوانه المرسلين.

والنبيين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.

2- حضور المريد بعد الصلاة والفاتحة بين يدي الشيخ وجلوسه تجاهه، لاصقًا ركبتيه اليمنى بيد لاشيخ اليمنى، وفي هذه الحالة يطلب الشيخ من المريد الاستفسار، ويكون بالصيغة التالية: (قل: أستغفر اللَّه العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وأشهد اللَّه وملائكته ورسله وأنبياءه، بأني تائب للَّه منيب إليه، وأن الطاعة تجمعنا، وأن المعصية تفرقنا، وأنَّ العهد عهد رسوله، وأن اليد يد شيخنا وأستاذنا الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني قجَّس اللَّه سره، وعلى ذلك يأتي أحل الحلال؛ أي أعمل به، وأحرم الحرام؛ أي أتجنبه، وألازم الذكر والطاعة بقدر الاستطاعة، ورضيت بحضرة شيخنا المشار إليه، شيخًا لي وطريقته لي، واللَّه على ما أقول وكيل).

والذكر الذي ورد في صيغة العهد يكون بالتلقين

والمقصود بالذكر، هو التوحيد: (لا إله إلا اللَّه)، ويقوم الشيخ بتلقينه للمريد ثلاث مرات، وهو مغمض العينين.

وكذلك العهد يكون بالتلقين؛ أي إنَّ الشيخ يقول عبارات العهد، والمريد يرددها بعده مباشرة، وبعد الانتهاء من ترديد عبارات لاعهد، يقول الشيخ: (انفحنا بنفحة منك)، ثمَّ يقرأ آية المبايعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:10].

وبعد هذا، يسمع الشيخ كلمة التوحيد لمريده، مرددًا إياها ثلاث مرات، ويطلب منه أن يقولها بعده على الصورة التالية: يأخذ الشيخ كلمة (لا) أو لا من طرفه الأيمن مادًّا بها جبهته في (إله)، ثمَّ يقرأ (إلا اللَّه) من طرفه الأيسر، وهو محل الروح، هذه الحالة تتم والشيخ مغمض العينين، فإذا قالها المريد بعد الشيخ قولًا صحيحًا وطبق الأصل؛ يكون قد انتهى من أخذ العهد تمامًا.

ثانيًا: الوصايا، وهي جملة أشياء يوصي بها الشيخ مريده، مطالبًا إياه اتباعها والعمل بمضمونها، وهي تحمل الأذى وترك الأذى، الصفح عن عثرات الإخوان، بذل الكف وسخاء النفس، ترك الحقد والحسد والكذب والنميمة والفحش في الكلام، والاستقامة على الوضوء وعلى الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من غير تعين عدد.

وبعد أن يقبل المريد هذه الوصايا من شيخه، ينتقل الشيخ إلى مرحلة المبايعة والقبول.

ثالثًا: المبايعة والقبول، يقول الشيخ للمريد القابل (وأنا قبلتك ولدًا، وبايعتك على هذا النوال)، وكذلك بالنسبة للمريد.

بهذه المراسيم تنتهي المبايعة بعد القبول، فتنفصل الأيدي المتشابكة، وتتبعد الركب المتلاصقة، ثمَّ تأتي مرحلة لدعاء مختومة بشرب الكأس.

رابعًا: الدعاء، الذي يصدر من الشيخ ويكون بحضور المريد وإمامه، والدعاء يكون على صورتين:

الصورة الأولى: يكون فيها عامًّا تامًّا شاملًا، ويكون بالصيغة التالية (اللهم، اجعلنا مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك وعدوًّا لأعدائك، محبًّا بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك، اللَّهم هذا الدعاء منك وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.

الصورة الثانية: يكون لادعاء فيها خاصًّا بالمريد، وهذه صيغته:

(اللَّهمَّ، كن برًّا رحيمًا، جوادًا كريمًا، اللَّهم دله بك إليك، اللَّهُمَّ خذه منه، اللَّهم افتح عليه فتوح الأنبياء والأولياء بجودك ورحمتك وكرمك يا أرحم الراحمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آلهم وصحبهم أجمعين، آمين).

خامسًا: الكأس، وهو إناء يتناوله الشيخ، محتويًا على ماء قراح، وقد يكون ممزوجًا بسكر، وقد يقرأ الشيخ على الكأس قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:58]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:82]، ثمَّ يتلو ذلك قراءة الفاتحة والإخلاص ثلاث مرات، ويناول الكأس للمريد ليشربه.

على هذا النمط المتدرج، تنتهي المرحلة الأولى، فيصبح المريد في عداد المريدين، ويلزم شيخه الذي أخذ عنه العهد، فيكون طالبًا مرتبطًا بالشيخ.

المرحلة الثانية

وهي التي تكون فيها الرحلة إلى اللَّه ، حيث يصاحب الشيخ المريد، مجتازًا جميع المسالك.

وهذه المرحلة تختلف تمام الاختلاف عن المرحلة الأولى بطبيعتها، فإذا كانت الأولى تبدأ وتنتهي بجلسة واحدة، فالثانية قد يمتد بها الزمن سنين طوالًا؛ لأنَّها مرحلة دراسية يتلقى فيها المريد علم الحقيقة عن شيخه، ويتأدب به؛ ممتثلًا لأوامره ومنتهيًا لنواهيه، آخذًا نفسه بالمجاهدة وأشد الرياضات، تحت إشراف الشيخ، وهكذا يفتح اللَّه  عليه فتوح الأنبياء والأولياء.

ويرى الشيخ الجيلاني في هذه المرحلة، أنَّه: (على المريد، عدم الانقطاع عن شيخه الموجه له)، إنَّما يلزمه بدوام الاتصال؛ حتى يستغني عنه بالوصول إلى ربه  فيتولاه بعد ذلك اللَّه تبارك وتعالى بتربيته وتهذيبه، فيستغني بربه عن غيره).

وعند تحقق الانفصال بين الشيخ والمريد يمنح المريد إجازة المشيخة، وتكون خطية، تشهد له ببلوغ مراده، فيكون شيخًا في عداد الشيوخ، ومن شروط الإجازة أن تكون موقعه من قبل المجيز، مبينًا فيها تلقيه كلمة التوحيد للمريد، كما تلقاها هو، بالتلقين بالسند عن شيخه، وشيخه عن شيخه مستمرًا بذكر سلسلة الشيوخ، حتَّى يصل إلى الشيخ منشئ الطريقة، ومنه حتى يصل إلى الحسن البصري، عن الإمام علي بن أبي طالب ت، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن اللَّه سبحانه وتعالى.

ويختم الشيخ الإجازة بدعاء، هو: (اللهم، بجاه هذه الشجرة المباركة، متمعنًا بالنظر إلى وجهك الكريم في الآخرة، بعد حسن الختام في هذه الدار بسلام).

ومن الملاحظ، أنَّ الانقطاع بين الشيخ وبين المريد أمر لابد منه، فقد أكد عليه السيد الشيخ الجيلاني، وهو عنده إمَّا انقطاعًا نهائيًّا، وإمَّا انقطاعًا يتخلله اتصال عن طريق الصدفة، كالملاقاة في الطريق أو في جامع قدرًا، ومن غير قصد، وذلك حفظًا للحال، واستغناء بالرب يقول الجيلاني: (فإذا بلغ المريد حالة شيخه أفرد عن الشيخ، وقطع عنه فيتولاه الحق ).

ومن هنا، فالملاحظ أنَّ الصفة الغالبة على الطريقة القادرية، هي المرونة، فالجيلاني يرى باختلاف الطريق بين الشيخ وبين المريد، الذي وصل إلى مرتبة الشيخ بعد افتراقهما، وليس في رأيه الإصرار على أن يبقى المريد تابعًا طريقة شيخه؛ بل نجد عنده التأكيد على استقلال الذات، فشخصية المريد يجب أن تبرز، فتأخذ طابعًا خاصًّا بها، فدور الشيخ المربي قد انتهى عند حد بدأ معه المريد، فلابد له في هذه الحالة أن يظهر شخصيته ويثبت استقلاله.

خاتمة:

هذه هي الطريقة القادرية ومباناها، ولقد رأينا صاحبها سيدي عبد القادر

الجيلاني، من خلال هذه النظرة السريعة؛ رجل أسلم وجهه للَّه، وربَّى رجالًا دعاهم إلى طريق اللَّه والسير على هدي القرآن والسنة.

لكن، كعادة الأستاذ الفاضل الدكتور الشيبي، في رد كل فكر إسلامي إلى الشيعة؛ فإنَّه يرى أنَّ هناك تشيعًا في طريقة الجيلاني، فيقول: (فقد جعل عبد القادر الجيلي الجيلاني، المشيخة وراثية كالإمامة، فورث شأنه وطريقته أبناءه: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وعبد الجبار([17])، لكنَّا نرى أنَّ رأي الأستاذ الدكتور الشيمي فيه مغالاة شديدة، فظاهر أقوال الجيلاني وأفعاله، تجعلنا نحكم عليه بأنَّه كان صوفيًّا سنيًّا، متشرعًا متحققًا، منهجه الصوفي هو المنهاج الخلقي العملي المترسم كتاب اللَّه وسنة رسوله الكريم.

المرجع : الطرق الصوفية في مصر ، نشأتها ونظمها ، أ/د عامر النجار ، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ، (ص 106 - 116) .


([1])    (قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر) للشيخ محمد التادفي الحنبلي، ص3.

([2])    (قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر) للشيخ محمد التادفي الحنبلي، ص3.

([3])    كتاب (الإمام عبد القادر الجيلاني) لأبي الحسن الندوي، ص29، ص9 على التوالي.

([4])    كتاب (الإمام عبد القادر الجيلاني) لأبي الحسن الندوي، ص29، ص9 على التوالي.

([5])    كتاب (قلائد الجواهر)، ص7.

([6])    كتاب (الفتح الرباني) لسيدي عبد القادر الجيلاني، المجلس 51.

([7])    كتاب (الفتح الرباني) للإمام الجيلاني، المجلس الواحد والخمسون، والمجلس السادس والأربعون على التوالي.

([8])    كتاب (الفتح الرباني) للإمام الجيلاني، المجلس الواحد والخمسون، والمجلس السادس والأربعون على التوالي.

([9])    كتاب (بداية الطريق إلى مناهج التحقيق)، ص48 للسيد محمد أبو الفيض المنوفي.

([10])   (طبقات لاشعراني)، ص109.

([11])   كتاب (أبو الحسن الشاذلي) للأستاذ سالم عمار، ص130.

([12])   (ترياق المحبين)، ص55.

([13])   (طبقات الشعراني)، جـ1، ص110.

([14])   (طبقات الشعراني)، جـ1، ص110.

([15])   مخطوط (السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين) للإدريس، بدار الكتب المصرية، تحت رقم 2567 تصوف، ورقة 15.

([16])   اعتمدنا في عرض كيفية الانتساب إلى الطريقة القادرية على (عبد القادر الجيلاني ومذهبه الصوفي) رسالة ماجيستير لجعفر صادق سهيل، من ص127، وما بعدها.

([17])   (الصلة بين التصوف والتشيع) للأستاذ الدكتور الشيبي، ص80، نقلًا عن (روضات الجنات)، ص442.

عدد الزيارات 2067 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)