التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو الإمام محمد بن علي بن محمد صاحب المرباط، ويُعرف بلقبه الشهير "الفقيه المقدم". وُلد في مدينة تريم بحضرموت (اليمن حالياً) عام 574 هـ (الموافق 1178 م). ينحدر من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم (آل البيت) وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، مما منحه مكانة دينية وروحية عظيمة في حضرموت.
حياته العلمية والفقهية:
تلقى الفقيه المقدم تعليماً مكثفاً في علوم الشريعة، خاصة الفقه على المذهب الشافعي، الذي كان سائداً في حضرموت. برع في الفقه حتى لُقب بـ "الفقيه المقدم"، أي الفقيه الذي قُدم على غيره في العلم والفضل. كان في بداية حياته عالماً فقيهاً تقليدياً، يدرس ويفتي.
التحول إلى التصوف ومنهجه (نزع السلاح):
كان التحول الأبرز في حياة الفقيه المقدم هو اتجاهه الكلي نحو التصوف والزهد. في عصره، كان أهل حضرموت يحملون السلاح للدفاع عن أنفسهم في النزاعات القبلية. قاد الفقيه المقدم ثورة سلمية روحية واجتماعية؛ إذ أصدر قراراً بنزع السلاح والتخلي عن العنف، ودعا الناس إلى استبدال قوة السيف بقوة العلم والروح والتوكل على الله. يُروى أنه جمع السلاح الذي كان يملكه وكسره أمام الناس، مما كان رمزاً قوياً للسلام والزهد.
أصبح منهجه الصوفي يركز على:
التصوف السني الشافعي: الجمع بين الفقه الشافعي والتصوف الملتزم بضوابط الشريعة.
الزهد والاجتماع: عدم اعتزال الناس، بل العيش بينهم وتوجيههم وإصلاح ذات بينهم.
العلم والعمل: التواضع والتجرد من مظاهر الدنيا والرياسة.
تأسيس الطريقة العلوية الباعلوية:
يُعدّ الفقيه المقدم هو المؤسس الفعلي والمجدد للطريقة العلوية (أو الباعلوية)، وهي الطريقة الصوفية التي انتشرت بشكل واسع من حضرموت إلى جنوب شرق آسيا (إندونيسيا، ماليزيا، وغيرها) بواسطة أبناء عمومته وأحفاده الذين اشتهروا بالدعوة والرحلات التجارية. الطريقة العلوية تُعرف بالتزامها الشديد بالسنة النبوية، والعمل الخيري، والتركيز على الذكر والأوراد المأخوذة من الكتاب والسنة.
تأثيره ومكانته:
مكانة الفقيه المقدم في حضرموت عظيمة، فهو يمثل نقطة تحول من الفقه المجرد إلى الجمع بين الفقه والزهد والتربية الروحية. يعتبر أحد "الأئمة الأربعة" الذين قامت عليهم دعائم التصوف الحضرمي. كان له دور كبير في ترسيخ مذهب الشافعي في المنطقة.
وفاته وضريحه:
توفي الفقيه المقدم في تريم عام 653 هـ (الموافق 1255 م)، ودُفن في مقبرة زنبل الشهيرة بتريم، وهي مقبرة ضمت رفات العديد من السادة والعلماء. ما يزال ضريحه مزاراً يقصده الناس للتبرك والزيارة. يمثل الفقيه المقدم قمة الزهد والجمع بين الفقه والتصوف في القرن السابع الهجري باليمن.
الرئيسة