التعريف به:
هو: الشيخ أبو الحسن، علي بن عثمان بن علي الجُلّابي الغزنوي الهجويري، الصوفي الحنفي.
أولاً: الميلاد والنشأة والرحلات الصوفية:
وُلد الإمام الهجويري في هجوير، وهي ضاحية من ضواحي مدينة غزنة (أفغانستان حالياً). نشأ في بيئة غنية بعلوم الدين والتصوف. درس الفقه على المذهب الحنفي، وأخذ علوم الشريعة واللغة.
كانت حياته عبارة عن رحلة مستمرة في طلب الحقيقة والسلوك الصوفي. سافر الهجويري على نطاق واسع في العالم الإسلامي، شملت رحلاته خراسان، والعراق، وبلاد فارس، والشام، بحثاً عن شيوخ التصوف. لزم العديد من المشايخ، أبرزهم شيخه أبو الفضل محمد بن الحسن الختلي.
ثانياً: ريادة نشر التصوف في الهند (لاهور):
تُعد مساهمة الهجويري الأهم هي كونه أول شيخ صوفي كبير يستقر في لاهور (باكستان حالياً)، في فترة كانت فيها المدينة لا تزال حديثة العهد بالإسلام.
وصل الهجويري إلى لاهور بأمر من شيخه، واستقر بها للوعظ والتعليم، ونشر المنهج الصوفي المعتدل الذي يجمع بين الشريعة والسلوك.
أبو كنج بخش (المعطي الودود): اشتهر بين الناس بهذا اللقب بفضل كرمه وجوده ومساعدته للفقراء والمحتاجين، وأصبح ضريحه اليوم من أكثر المزارات الصوفية زيارة في شبه القارة الهندية.
ثالثاً: مكانته التأسيسية وكتاب "كشف المحجوب":
يُعد الهجويري أحد أهم المؤسسين النظريين للتصوف في المشرق بسبب كتابه الخالد: "كشف المحجوب".
كشف المحجوب (أقدم مرجع صوفي بالفارسية):
كُتب هذا الكتاب باللغة الفارسية، وهو أقدم عمل صوفي منهجي متبقٍّ بهذه اللغة. وقد ألّفه رداً على أسئلة حول طبيعة التصوف ومسائله. يتضمن الكتاب ما يلي:
تعريف التصوف: يقدم فيه تعريفاً واضحاً للتصوف على أنه "إحياء الأخلاق والشرائع" ومتابعة السنة، رافضاً الخرافات والبدع.
تراجم الصوفية: يقدم تراجم لعدد كبير من أئمة الصوفية السابقين، مما يجعله مرجعاً تاريخياً مهماً.
المقامات والأحوال: يناقش فيه المقامات والأحوال الصوفية الرئيسية، مثل الفقر والزهد والمحبة والتوحيد.
نقد الفرق: يخصص جزءاً لنقد الفرق الصوفية المنحرفة، مؤكداً على ضرورة الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة.
قدم الهجويري في هذا العمل عرضاً منهجياً متوازناً للتصوف، عزز مكانته كمنظّر صوفي حنفي موثوق.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الإمام الهجويري في لاهور حوالي 465 هـ، ودُفن بها. تحول ضريحه (المعروف باسم "داتا كنج بخش") إلى مركز دائم للتعليم والذكر، ولا يزال حتى اليوم يُعتبر أبرز رمز لانتشار الإسلام والتصوف في باكستان وشبه القارة الهندية.
يُعد "كشف المحجوب" مصدراً لا غنى عنه لفهم تاريخ التصوف في العصور الوسطى، ومرجعاً لجميع الطرق الصوفية التي ظهرت لاحقاً في المشرق.