التعريف به:
هو: الإمام أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، الأندلسي، القرطبي، الوزير.
أولاً: الميلاد والنشأة والمكانة الاجتماعية:
وُلد الإمام ابن حزم في قرطبة، عاصمة الأندلس، في فترة اضطرابات سياسية شديدة (أواخر الخلافة الأموية وبداية عصر ملوك الطوائف). كانت عائلته من أرقى العائلات؛ فقد كان والده وجده من كبار وزراء الدولة، ونشأ ابن حزم في قصر مرفه ينعم بجميع أسباب العيش الكريم.
تلقى ابن حزم تعليماً موسوعياً واسعاً، يشمل الفقه، والحديث، واللغة، والشعر، والتاريخ، والفلسفة، والمنطق.
ثانياً: التحول المذهبي والمسيرة السياسية:
بدأ ابن حزم حياته فقيهاً على مذهب الإمام الشافعي، ثم تحول لاحقاً إلى المذهب المالكي (المذهب السائد في الأندلس)، قبل أن يستقر على المذهب الظاهري، وهو منهج ينادي بالتمسك بظواهر النصوص (القرآن والسنة) وعدم الأخذ بالقياس والرأي إلا بضوابط صارمة. وقد عُرف ابن حزم بكونه أقوى وأشهر من ناصر المذهب الظاهري في التاريخ الإسلامي.
المسيرة السياسية: تولى ابن حزم مناصب سياسية رفيعة في بداية حياته، حيث عمل وزيراً في فترات متقطعة في عهد بعض الخلفاء الأمويين. لكن هذه الحياة السياسية كانت قصيرة ومليئة بالصراعات والاتهامات والسجن.
ثالثاً: العزلة والزهد وميله إلى السلوك الباطني:
على الرغم من أن ابن حزم يُعرف بشدته في المناظرات وثرائه في الفقه والفلسفة، إلا أنه يُدرج ضمن أعلام الزهد في القرن الخامس لسببين رئيسيين:
اعتزال الدنيا والملك: بسبب الاضطرابات السياسية والتهميش، ترك ابن حزم الحياة العامة والمناصب السياسية، وانصرف في أواخر حياته إلى العزلة التامة، مكرساً وقته للعلم والتأليف والعبادة. هذه العزلة والانصراف عن دنيا السلطة هي جوهر الزهد.
الورع والسلوك: عُرف عن ابن حزم شدة الورع، والتقشف في المأكل والملبس، ونظرة ازدراء للدنيا. ويشهد على سلوكه الأخلاقي كتاباه "الأخلاق والسير" و "التلخيص لما في محله الشطط".
في كتابه "الأخلاق والسير"، قدم ابن حزم منهجاً متكاملاً في تزكية النفس وإصلاحها، يعتمد فيه على محاسبة الذات ومجاهدتها، وهو أقرب ما يكون إلى فكر صوفي أخلاقي، خالٍ من المصطلحات الصوفية المألوفة، ولكنه يتفق معها في الجوهر.
رابعاً: الوفاة والأثر:
قضى ابن حزم سنواته الأخيرة في قرية نائية في الأندلس، وقد عانى من محاولات إحراق كتبه ومنعه من التدريس من قبل خصومه المالكية.
توفي الإمام ابن حزم سنة 456 هـ. ترك وراءه كمية هائلة من التصنيفات (قيل إنها بلغت 400 مجلد)، لكن شهرته بقيت في كتبه الضخمة في الفقه المقارن "المحلّى"، وفي مقارنة الأديان "الفصل"، ومرجعه الأدبي "طوق الحمامة".
يُعد ابن حزم نموذجاً للفقيه الذي وصل إلى أعلى درجات الزهد والورع، وإن كان منهجه الفكري الظاهري بعيداً عن المصطلحات الصوفية التقليدية.