التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو محمد بن علي بن ملك داد التبريزي، المعروف بـ "شمس الدين التبريزي". ويُنسب إلى مدينة تبريز (في أذربيجان/إيران حالياً). تاريخ ميلاده غير معروف بدقة، ويُرجح أنه وُلد في أواخر القرن السادس الهجري. كان شمس التبريزي درويشاً جوالاً، متجرداً عن مظاهر الدنيا، عاش حياة غير مستقرة، متنقلاً بين المدن في طلب الحقيقة. لم يكن عالماً تقليدياً أو فقيهاً، بل كان زاهداً روحانياً.
تكوينه الروحي وبحثه عن الرفيق:
تميز شمس التبريزي بـ "قوة الحال" و "الجذب الإلهي"، وكان يشعر أنه بحاجة إلى إيجاد رفيق روحي أو "ولي" يكون قادراً على تحمل وإدراك عمق معارفه الروحية. كان يبحث عمن يستطيع أن يحرر علمه الباطن ويخرجه من الصمت إلى التعبير. بعد سنوات طويلة من الترحال والبحث، أوحت له الرؤى بأن رفيقه المنتظر هو العالم الفاضل جلال الدين الرومي، الذي كان آنذاك فقيهاً ومدرساً محترماً في قونية.
اللقاء التاريخي بجلال الدين الرومي (عام 642 هـ):
في عام 642 هـ (1244 م)، التقى شمس الدين التبريزي بجلال الدين الرومي في قونية، وكان هذا اللقاء نقطة تحول جذري في حياة الرومي (كما ذكرنا سابقاً). يُروى أن شمس التبريزي سأل الرومي سؤالاً روحياً عميقاً عن العلاقة بين النبوة والولاية، فانبهر الرومي بعمق هذا الدرويش المجهول.
عاش شمس التبريزي مع الرومي ثلاث سنوات متواصلة في خلوة شبه تامة، حيث كانا يتبادلان الأسرار والكشوفات. في هذه الفترة، تحول الرومي من عالم فقهي إلى شاعر متصوف مغمور بالعشق الإلهي. كان شمس التبريزي بمثابة "المرآة الإلهية" التي كشفت للرومي عن حقيقته الكامنة.
الغياب والتأثير (الغموض):
بسبب الغيرة والاستياء من تأثير شمس التبريزي على الرومي، واعتزال الرومي عن التدريس، قوبل شمس الدين بالعداء من تلاميذ الرومي وأهل قونية. نتيجة لذلك، اختفى شمس الدين فجأة عام 645 هـ (1247 م).
الرواية الشائعة (الغموض):
هي اختفاؤه الغامض، قيل إنه قتل على يد مجموعة من تلاميذ الرومي الغاضبين، أو أنه غادر قونية سراً.
الرواية الروحية:
هي فناء شمس التبريزي في حقيقة الرومي، ليصبحا كروح واحدة في جسدين.
إرثه الروحي:
إرث شمس التبريزي الأساسي ليس في كتبه، بل في تأثيره على الرومي، وقد خلد اسمه في أعظم عمل صوفي:
ديوان شمس التبريزي (ديوان كبير):
وهو الديوان الضخم الذي كتبه جلال الدين الرومي وغالبية قصائده موقعة باسم "شمس"، تعبيراً عن فنائه الروحي في شيخه وإلهامه.
مقالات شمس التبريزي:
مجموعة من حواراته ومواعظه التي سجلها تلاميذه، وهي تكشف عن عمق فكره وقوة لغته الروحية.
شمس الدين التبريزي هو رمز "الشيخ المربي" الذي لا يبحث عن الشهرة، بل عن تحقيق حقيقة تلميذه، وهو شخصية محورية وغامضة جعلت من قونية عاصمة للعشق الصوفي في القرن السابع الهجري.