التعريف به:
الاسم والمولد والنسب:
هو أبو محمد عبد السلام بن بشيش، ويُعرف اختصاراً بـ "ابن مشيش". وُلد في قرية صغيرة بجبال غمارة في شمال المغرب الأقصى، تحديداً في منطقة جبل العلم بالقرب من مدينة تطوان، ويُرجح أن ولادته كانت في أواخر القرن السادس الهجري. يُعدّ من أشراف المنطقة وينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، مما أكسبه مكانة روحية واجتماعية عظيمة.
حياته ومنهجه في الزهد والعبادة:
اختار ابن مشيش الزهد والانقطاع التام عن الدنيا في وقت مبكر من حياته، مفضلاً العزلة في قمة جبل العلم، حيث كان يقيم في خلوة مكرساً حياته للعبادة والرياضات الروحية. تميز منهجه بالتقشف الشديد والاعتماد الكلي على الله، والابتعاد عن مجالس السلطة والمال. لم يترك ابن مشيش مؤلفات كثيرة مكتوبة، بل كان منهجه شفوياً وتربوياً، يركز على تصفية الباطن والتحقق بمقامات اليقين والصدق.
تكوينه الروحي وشيخه:
تلقى عبد السلام بن مشيش تربيته الروحية والسلوكية على يد شيخه المربي الكبير أبي مدين شعيب التلمساني (أو أحد تلاميذه البارزين)، مما يجعله حلقة وصل هامة بين التصوف المغربي المشرقي الذي يمثله أبو مدين، والتصوف المغربي الأصيل الذي سيحمله تلميذه من بعده. كانت تعاليمه تتمحور حول "معرفة الله" عن طريق "الذوق" و "الكشف"، مقترنة بالاستقامة التامة على الشريعة والسنة النبوية.
أهميته التاريخية وتأثيره (شيخ الشاذلي):
تكمن الأهمية القصوى لابن مشيش في كونه الشيخ الوحيد والمربي الروحي للإمام الكبير أبي الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية، التي تُعدّ واحدة من أوسع وأكثر الطرق الصوفية انتشاراً في العالم الإسلامي حتى اليوم (خاصة في مصر وبلاد الشام وشمال أفريقيا). عندما قدم الشاذلي إليه، سأله ابن مشيش: "من أين أتيت؟" فأجابه الشاذلي: "أتيت من جميع الأقطار والأمصار... طلباً للقطب الأكبر"، فقال له ابن مشيش: "أبا الحسن! ما نفعك كثرة الترداد، ولا كثرة الأوطان، إنما هو هنا أو هناك (وأشار إلى قلبه)".
هذه الواقعة تلخص منهج ابن مشيش في أن القطبية والولاية تكمن في تزكية القلب لا في السفر والترحال، وأن طريق المعرفة هو طريق الباطن.
وصيته ومنهجه التعليمي:
من أشهر ما نُقل عنه وصيته الجامعة لتلميذه الشاذلي، والتي تُعدّ مرجعاً للمتصوفة في منهج السلوك. ويُنسب إليه أيضاً "الصلاة المشيشية" وهي صلاة بليغة على النبي صلى الله عليه وسلم، تُظهر عمق محبته ومعرفته النبوية، وتُعدّ نموذجاً للأدعية الصوفية التي تتجاوز الصياغة التقليدية إلى لغة رمزية ذات دلالات عرفانية عميقة. كان يشدد على أربعة أصول في طريقه: التجريد، التفريد، التأييد، والتوهيب (أي تجريد النفس من الأغيار، وتفريدها لله، وتأييدها بالروح، وتوهيبها للمعارف).
وفاته ومقامه: اختلف في سبب وفاته، والمشهور أنه قُتل شهيداً في خلوته بجبل العلم عام 622 هـ، ويُقال إن ذلك تم على يد مدعٍ للنبوة اسمه "ابن أبي الطواجن الكتامي"، الذي لم يستسغ زهده وعلومه الباطنية. دُفن في المكان الذي اختاره لعزلته، وأصبح قبره مزاراً شهيراً يتردد عليه المريدون من جميع أنحاء المغرب. يمثل ابن مشيش بحياته وعزلته ومنهجه التربوي جوهر التصوف المغربي الزاهد في القرن السابع الهجري.