التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو الشيخ محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي الفتح اليونيني، ويُعرف بـ "محمد الفقيه اليونيني" تمييزاً له عن شيخه ووالده الروحي، عبد الله اليونيني (الذي تناولناه سابقاً). وُلد في يونين (قرب بعلبك في الشام) في أواخر القرن السادس الهجري. نشأ في كنف عائلة اشتهرت بالزهد والعبادة، وتلقى علومه على يد كبار علماء دمشق وبعلبك.
تكوينه العلمي والروحي:
تميز محمد الفقيه اليونيني بجمعه بين الفقه الحنبلي، الذي كان منتشراً في تلك المنطقة، و التصوف والزهد الشديد. كان فقيهاً متقناً ودرس الحديث والفقه، ولكنه اتجه إلى الزهد على يد شيخه عبد الله اليونيني، فجمع بين العلم الظاهر (الفقه) والعمل الباطن (التصوف).
اشتهر بـ الورع الصارم و العبادة الطويلة، وكان يعيش حياة متقشفة للغاية، بعيداً عن زخرف الدنيا. تُذكر عنه القصص التي تدل على تجرده من الأسباب المادية وتوكله المطلق على الله. هذا الجمع بين الصرامة الفقهية والروحانية الصوفية جعله شخصية مرموقة ومحترمة بين جميع طوائف العلماء والعوام في بلاد الشام.
دوره في الجهاد ضد المغول:
يعتبر محمد الفقيه اليونيني من الشخصيات المحورية في دمشق وبعلبك خلال فترة الغزو المغولي الرهيب في منتصف القرن السابع الهجري. عند اجتياح المغول لبلاد الشام وسقوط دمشق عام 658 هـ، وقف اليونيني موقفاً ثابتاً.
الموقف الشجاع:
عندما دخلت جيوش المغول دمشق، كان اليونيني من القلائل الذين لم يفروا، بل ظل يحث الناس على الصبر والثبات والتوبة والرجوع إلى الله.
الجهاد الروحي:
في الفترة التي عمّ فيها اليأس، كان الفقيه اليونيني يمثل رمزاً للإيمان القوي، وكان يخرج إلى أبواب المدينة ويرفع صوته بالدعاء، مما كان له أثر عظيم في تثبيت قلوب المسلمين.
مكانته وتأثيره:
كان له دور تربوي كبير في منطقة بعلبك، حيث أسس مدرسة أو زاوية للزهد والتربية الروحية. كان تأثيره يمتد إلى الأمراء والسلاطين، الذين كانوا يطلبون منه النصيحة والدعاء. عُرف عنه قلة الكلام إلا فيما ينفع، والتركيز على تزكية النفس وسلامة القلب.
وفاته:
توفي محمد الفقيه اليونيني في يونين عام 658 هـ (الموافق 1260 م)، بعد وقت قصير من الغزو المغولي الذي شهدته دمشق. كانت وفاته خسارة كبيرة لبلاد الشام التي فقدت بوفاته أحد كبار زُهادها وعلمائها المخلصين في تلك الفترة العصيبة. يمثل اليونيني نموذجاً للعالم الزاهد الذي لم يتخل عن واجبه في خدمة الأمة في أحلك الظروف في القرن السابع الهجري.