التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بـ "الشيخ الأكبر" أو "ابن عربي".
وُلد في مدينة مُرسية بالأندلس عام 560 هـ (الموافق 1165 م). نشأ في كنف أسرة عريقة في العلم والتقوى، وكان والده من كبار أهل الفقه والزهد، مما وفر له بيئة علمية وروحية خصبة منذ صغره.
تلقى تعليمه الأولي على يد مشايخ الأندلس، ومال إلى التصوف باكراً بعد فترة من الشك، حيث بدأ رحلة الكشف والتحقيق في مقتبل شبابه.
رحلاته وحياته العلمية:
بدأ ابن عربي رحلاته العظيمة التي شكلت فكره الموسوعي، فبعد أن جاب مدن الأندلس والمغرب، انتقل إلى المشرق الإسلامي. كانت أولى رحلاته الكبرى إلى مكة المكرمة عام 598 هـ، وهناك بدأ بتأليف عمله الضخم "الفتوحات المكية".
زار بغداد، والموصل، وحلب، والقاهرة، وتركيا (بلاد الروم)، واستقر به المقام أخيراً في دمشق التي كانت مركزاً علمياً مهماً بعد سقوط الخلافة العباسية. مكنته هذه الرحلات من اللقاء بكبار علماء وفقهاء وعُباد عصره في شتى الأقطار، واستيعاب مختلف المدارس الفكرية.
فلسفته ومنهجه الصوفي (وحدة الوجود):
يُعدّ ابن عربي مؤسس مدرسة التصوف الفلسفي الأكبر. محور فكره هو مفهوم "الوحدة"؛ حيث يرى أن الوجود الحقيقي هو وجود الحق (الله)، وكل ما سواه هو مظاهر وتجليات لهذا الوجود الأحد.
هذا المذهب، المعروف بـ "وحدة الوجود"، أثار جدلاً واسعاً بين الفقهاء والمتكلمين، بين من رأى فيه ذروة التوحيد والعرفان، ومن رآه خروجاً عن العقيدة.
كان يعتمد في منهجه على الكشف الصوفي و الذوق الإلهي مصدراً أساسياً للمعرفة، ويرى أن الشريعة هي الطريق الظاهر والحقيقة هي الطريق الباطن الذي يصل إليه العارفون.
كان يشدد على مفهوم "الإنسان الكامل" كمرآة جامعة لجميع الأسماء والصفات الإلهية.
أبرز مؤلفاته وأعماله: ترك ابن عربي إرثاً تأليفياً ضخماً لا يُحصى، يتجاوز المئات من الأعمال، لكن أشهرها وأكثرها تأثيراً هي:
"الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية": موسوعة صوفية كبرى، تناول فيها جميع علوم التصوف والفلسفة واللاهوت والشرائع، وتُعدّ أكبر إنجاز مكتوب في التصوف.
"فصوص الحكم": كتاب موجز وعميق، يتناول حكمة كل نبي من الأنبياء العشرين الذين وردوا فيه، ويُعتبر خلاصة فكره في وحدة الوجود.
"ديوان ترجمان الأشواق": مجموعة من القصائد الغزلية التي فسرها لاحقاً بأنها رموز لمعانٍ إلهية وعشق إلهي.
تأثيره ووفاته:
ابن عربي شخصية محورية في تاريخ الفكر الإسلامي، ففكره أثر في غالبية المتصوفة الذين جاءوا بعده، مثل جلال الدين الرومي، وعبد الكريم الجيلي، والعديد من علماء المذاهب. تُعرف مدرسته بالطريقة "الأكبرية". توفي في دمشق عام 638 هـ (1240 م) ودُفن في حي الصالحية على سفح جبل قاسيون. ما يزال ضريحه مزاراً، وما زالت كتبه تدرس وتُحقق حتى اليوم، مما يجعله أحد أكثر أعلام القرن السابع الهجري تأثيراً في التاريخ الفكري والروحي للمسلمين.