التعريف به:
هو: الإمام أبو الحسن، عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، النيسابوري، الشافعي، المؤرخ.
أولاً: النشأة والتحصيل العلمي في نيسابور:
وُلد الإمام عبد الغافر الفارسي في نيسابور، التي كانت في عصره مركزاً للإشعاع العلمي في خراسان. نشأ في بيت علم، وتلقى علومه الشرعية على أيدي كبار العلماء في عصره.
كان الفارسي فقيهاً على المذهب الشافعي، ومحدثاً ضابطاً، ولكن كانت أهميته الكبرى في كونه مؤرخاً ومسجلاً لتراجم العلماء والأعلام وقد استفاد من وجوده في نيسابور، التي كانت مركزاً لمدرسة القشيري والغزالي والجويني.
أخذ عن كبار الأئمة، ومنهم الإمام أبو المعالي الجويني (إمام الحرمين)، الذي كان أستاذاً في النظامية، كما سمع من كثير من المحدثين والفقهاء.
ثانياً: الزهد والورع والاهتمام بالسلوك:
على الرغم من شهرته كفقيه ومؤرخ، فقد عُرف عن عبد الغافر الفارسي الزهد والورع الشديد، واتباعه لطريق السلف في العبادة والسلوك:
الميل إلى التصوف السني: كان الفارسي معاصراً للإمام أبي حامد الغزالي، وقد تأثر بالمنهج الذي أرساه الغزالي والقشيري في الجمع بين الفقه والتصوف السني المعتدل.
الورع في التلقي: عُرف عنه التدقيق والاحتياط في أخذ الروايات والمسائل، مما يدل على ورعه العلمي والشرعي، وكان لا يأخذ إلا عمن يثق في دينه وورعه.
العزلة والعبادة: مال في أواخر حياته إلى العزلة والانقطاع عن العامة، مكرساً وقته للعبادة والتأليف، وهو ما يؤكد على سلوكه الزهدي.
ثالثاً: المساهمة التاريخية والتوثيقية (السياق):
تُعد مساهمته الأعظم في حفظ تراث نيسابور العلمي والروحي:
كتاب "السياق لتاريخ نيسابور": هذا الكتاب هو تكملة لـ "تاريخ نيسابور" للحاكم النيسابوري (صاحب "المستدرك"). جمع فيه الفارسي تراجم علماء نيسابور وشيوخها في قرنين كاملين، وقد كانت نيسابور وقتها مركزاً لتراجم أعلام التصوف والزهد.
وبما أن نيسابور كانت موطن القشيري والجويني وأعلامهم، فإن "السياق" يمثل مرجعاً أصيلاً لتراجم وأخبار كبار الفقهاء والصوفية في القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجري. لولا هذا العمل، لضاعت الكثير من أخبار الزهاد والعلماء في تلك المنطقة.
رابعاً: الوفاة والأثر:
توفي الإمام عبد الغافر الفارسي في نيسابور سنة 529 هـ.
بجهده التوثيقي، كان الفارسي شاهداً ومسجلاً للمرحلة الانتقالية الهامة التي شهدت انتقال ريادة المذهب الشافعي والاعتقاد الأشعري والتصوف السني المعتدل، من جيل الجويني والقشيري إلى جيل تلامذة الغزالي، وكان هو نفسه أحد أركان هذا المنهج الجامع في خراسان