التعريف به:
هو: الإمام أبو الحسن، علي بن حرزهم بن عبد الجليل المغراوي، الفاسي، المالكي، الصوفي.
أولاً: النشأة والتمكن العلمي والمذهب:
وُلد الإمام علي بن حرزهم في مدينة فاس بالمغرب الأقصى، التي كانت مركزاً للعلوم الشرعية في الغرب الإسلامي. نشأ في بيئة علمية، وتلقى علوم الفقه والحديث، وكان فقيهاً على المذهب المالكي، الذي كان المذهب السائد في بلاد المغرب والأندلس.
كان ابن حرزهم معروفاً بذكائه، وعمق فهمه للمسائل، وقد برع في علوم الظاهر قبل أن ينصرف إلى التخصص في علوم الباطن والسلوك. لُقب بـ "شيخ الشيوخ" لما كان له من مكانة بين علماء فاس.
ثانياً: ريادة نشر التصوف المشرقي في المغرب:
تُعد أهمية الإمام ابن حرزهم في كونه الرائد الأبرز لنشر المنهج الصوفي المشرقي المؤصل (مدرسة القشيري والغزالي) في بلاد المغرب، التي كانت تعتمد حينها على طرق محلية أكثر تقليدية.
بعد أن وصلته مؤلفات أئمة خراسان، وخاصة "الرسالة القشيرية" للإمام القشيري، وكتابات الإمام الغزالي، اقتنع بضرورة هذا المنهج في الجمع بين الشريعة والحقيقة.
شرح الرسالة القشيرية: أعظم أعماله الصوفية هو "المفتاح الفاسي"، وهو شرح ضخم ومفصل لـ "الرسالة القشيرية". من خلال هذا الشرح، قام ابن حرزهم بـ:
تأصيل مصطلحات القشيري وشرحها بأسلوب مفهوم لأهل المغرب.
ربط المنهج الصوفي بأصول الفقه المالكي، لإضفاء شرعية محلية عليه.
نشر فكر الاعتدال الصوفي الذي يرفض شطحات الغلاة ويتمسك بالشريعة.
بذلك، كان ابن حرزهم حلقة وصل حيوية نقلت المنهج السني في التصوف من بغداد ونيسابور إلى فاس، ومنها إلى باقي بلاد الغرب الإسلامي.
ثالثاً: الزهد والورع ومنهج التربية:
كان ابن حرزهم نموذجاً للعالم الزاهد الذي يطبق ما يدعو إليه:
الزهد العملي: عُرف عنه الورع الشديد في المأكل والمشرب والتعامل، وميله إلى التقشف والعبادة. كان يرى أن الانقطاع عن الدنيا هو شرط أساسي لصفاء القلب.
التربية والتوجيه: كان يركز على التربية الروحية لمريديه، مع التأكيد على ضرورة الجمع بين العمل والكسب الحلال (في بداية السلوك) وبين الخلوة والذكر (في مراحله المتقدمة). كان مجلسه مجمعاً للمريدين والطلاب.
العزلة عن السلطة: رفض ابن حرزهم الانخراط في بلاط الحكام أو تولي المناصب القضائية التي تعرض فيها غيره للفتنة، مكرساً وقته للتعليم والتأليف والسلوك.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الإمام علي بن حرزهم في فاس سنة 559 هـ، ودفن بها.
أثره الدائم يكمن في تأسيسه للمدرسة الصوفية المغربية التي أخذت عن المشرق أساسيات التأصيل والمنهج، وأخرجت لاحقاً كبار أئمة المغرب الصوفيين، مثل الشيخ أبي مدين شعيب (الذي سيأتي في الترجمة رقم 7)، الذي يعتبر ابن حرزهم أحد المؤثرين الكبار في منهجه. ظل شرحه للرسالة القشيرية مرجعاً أساسياً للمتأخرين من صوفية المغرب