التعريف به:
هو: الإمام أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، الشافعي، المحدث المفسر.
أولاً: الميلاد والنشأة والتمكن العلمي:
وُلد الإمام البغوي في بَغشور أو بَغَا (بالقرب من هراة وخراسان)، ومنها نُسبته "البغوي". لُقب بـ "الفراء" نسبة لعمله في بيع الفراء (الجلود). نشأ في بيت علم، وتلقى علومه الشرعية على أيدي كبار المحدثين والفقهاء.
ذكان البغوي إماماً جامعاً بين علوم الحديث والفقه (على المذهب الشافعي) والتفسير. اعتمد في مؤلفاته على منهج أصحاب الحديث، وهو ما أكسبه ثقة وقبولاً واسعاً، خاصة في خراسان.
منهجه في الحديث: تميز البغوي في الحديث بجمع المتون وترتيبها، وقد أدى كتابه "مصابيح السنة" دوراً كبيراً في نشر أحاديث الصحيحين والسنن في عصره، وهو ما يُعد عملاً زهدياً حيث ركّز على الأحاديث التي تفيد في السلوك والعبادات.
ثانياً: الزهد والورع ولقب "محيي السنة":
اشتهر الإمام البغوي بصفات الزهد والعبادة والورع الشديد، حتى لقبه العلماء بـ "محيي السنة" لشدة تمسكه بالسنة النبوية وابتعاده عن البدع في الاعتقاد والسلوك.
العيش المتقشف: عُرف عن البغوي أنه كان شديد القناعة، عاش حياة تقشف وزهد مطلق، ولم يتكسب من علمه أو مؤلفاته. كان يأكل خبز الشعير فقط، ولا يأكل غيره إلا إذا دعاه أحد، وكان يقبل الدعوة على كره.
الزهد في المال: يروى عن ورعه أنه كان يكتفي في تدريسه بنصيب ضئيل من العيش، ويستعيذ بالله من أن يجعل علمه سبباً لجلب أموال الدنيا أو الجاه.
العبادة: كان منقطعاً للعبادة والتدريس والتصنيف، ولم ينشغل بأمور السياسة أو المناصب.
كان زهده يمثل امتداداً لزهد السلف الصالح، ومدرسة خراسان الصوفية المعتدلة (كالقشيري).
ثالثاً: مساهماته الخالدة في التفسير والسنة:
قدم البغوي ثلاثة أعمال رئيسية جعلته خالداً في المكتبة الإسلامية، وكلها تعزز منهج الزهد والسلوك الصحيح:
معالم التنزيل (تفسير البغوي):
هو تفسير يركز بشكل كبير على التفسير بالمأثور (من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين). اشتهر تفسيره بالسلامة من البدع والمناقشات الكلامية والفلسفية، والتركيز على بيان المعنى الشرعي للآيات، مما جعله تفسيراً "عملياً" يفيد في التطبيق والعبادة.
شرح السنة:
كتاب ضخم جمع فيه الأحاديث النبوية، وشرحها على طريقة أهل السنة والجماعة، مع الابتعاد عن الخوض في المسائل الخلافية العقدية، والتركيز على ما يُعرف بـ "أحاديث الأحكام والفضائل" التي توجه السلوك.
مصابيح السنة:
كتاب اعتنى فيه بجمع الأحاديث الصحيحة والحسنة، وقسمها على أبواب فقهية وسلوكية، وكان الهدف منه تيسير الوصول إلى السنة لمن أراد العمل بها، واشتهر هذا الكتاب في عصره وأصبح مرجعاً للمحدثين والفقهاء.
رابعاً: الوفاة والأثر:
توفي الإمام البغوي في مرو الرّوذ (خراسان) سنة 516 هـ.
يُعد البغوي نموذجاً للفقيه والمحدث الذي يرفض الانخراط في مظاهر الحياة المترفة، ويُكرّس حياته لخدمة السنة النبوية، والقرآن الكريم. بزهده وورعه، أثبت أن العالم المتمكن لا يمكن فصله عن السلوك الصوفي العملي، وكان شاهداً على استمرار مدرسة الزهد المشرقية في القرن السادس.