التعريف به:
هو: الشيخ أبو النجيب، عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عمويه السهروردي، الشافعي، الصوفي.
أولاً: النشأة والتحصيل العلمي في بغداد:
وُلد الشيخ أبو النجيب السهروردي في سهرورد (شمال غرب بلاد فارس). انتقل في شبابه المبكر إلى بغداد، التي كانت لا تزال مركز الإشعاع العلمي. تفقه أبو النجيب على المذهب الشافعي، وأصبح من كبار فقهاء عصره.
كان أبو النجيب يتمتع بذكاء حاد وبراعة في المناظرات، لكنه آثر طريق الزهد والسلوك. لزم الشيخ أحمد الغزالي (أخو الإمام الغزالي وصاحب المدرسة الباطنية في السلوك)، وأخذ عنه السلوك والتصوف. هذا الاتصال ببيت الغزالي يدل على تمسكه بدمج الشريعة والحقيقة.
ثانياً: الزهد والورع والمنهج التربوي:
اشتهر أبو النجيب بالزهد والورع، فكان يجمع بين الفقه العميق والسلوك العملي:
المدرسة الشافعية الصوفية: أسس رباطاً ومدرسة في بغداد كان يدرس فيها الفقه الشافعي إلى جانب تربية المريدين. كان منهجه يركز على أن التصوف هو حسن الأدب مع الله والخلق، وأن العبادات الظاهرة يجب أن تُصاحبها روحانية باطنية.
الزهد عن المناصب: رفض أبو النجيب المناصب الرسمية والأوقاف الكبيرة، واكتفى بالعيش المتقشف في رباطه، مكرساً وقته للتدريس والتربية.
تأليفه "آداب المريدين": يُعد هذا الكتاب من أهم مؤلفات القرن السادس الهجري في السلوك. وهو كتاب عملي يركز على آداب المريد مع شيخه، وآدابه في العبادة، وآدابه في الخلوة والجلوة. شدد فيه على ضرورة ترك البدع، والتمسك بالسنة، وأن الطريق الصوفي لا يقوم إلا على قواعد الشريعة.
ثالثاً: الأب المؤسس للطريقة السهروردية:
تُعد مساهمته الكبرى في كونه الأب المؤسس للطريقة السهروردية، ليس بشكل مباشر، ولكن عبر تلميذه ووارثه الروحي:
تلميذه الأبرز (شهاب الدين السهروردي): هو عمه من ناحية الأب، شهاب الدين عمر السهروردي (ت 632 هـ). أخذ شهاب الدين السلوك عن أبي النجيب، وهو الذي قام بنشر الطريقة السهروردية وتأصيلها في كتابه الشهير "عوارف المعارف".
لولا تربية أبي النجيب، لما وُجدت السهروردية بالمنهج الذي ظهرت به، فقد نقل إليه منهج المدرسة الغزالية في التوفيق بين العلم والعمل.
وبذلك، كان أبو النجيب هو حلقة الوصل بين جيل الغزالي وجيل المؤسسين للطرق الكبرى (الجيلاني والرفاعي والسهروردي).
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الشيخ أبو النجيب السهروردي في بغداد سنة 563 هـ، ودُفن بها.
ظل تأثيره قوياً من خلال مدرسته وأتباعه، خاصة في العراق وبلاد فارس والهند. يمثل أبو النجيب نموذجاً للعالم الفقيه الزاهد الذي يركز على التربية العملية، وترك لنا كتاباً منهجياً عظيماً يوضح أن الزهد هو الالتزام بآداب الشريعة في كل تفاصيل الحياة.