التعريف به:
الإمام أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، الموحدي، المالكي، المعروف بابن بَرَّجَان.
أولاً: النشأة والتمكن في الأندلس:
وُلد ابن برجان في إشبيلية بالأندلس، ونشأ فيها، وتلقى علومه الشرعية على كبار شيوخها. كان متبحراً في الفقه المالكي، ولكنه اشتهر بشكل خاص بإمامته في علم القراءات وعلوم القرآن.
تميز ابن برجان بعمق فهمه للقرآن، وحُسْن استنباطه للمعاني، وكان يمزج بين علوم الظاهر (الفقه والنحو والقراءات) وعلوم الباطن (التصوف والسلوك) في تفسيره لكتاب الله.
ثانياً: الزهد والورع والتصوف الإشاري:
يُعد ابن برجان من أئمة الزهد والعبادة في الأندلس، ويظهر ذلك في منهجه العلمي والشخصي:
التأويل الإشاري: كانت له ميول صوفية قوية، وتظهر في تفسيره للقرآن، حيث كان يعتمد على التفسير الإشاري الذي يستخرج منه المعاني الباطنية التي تخص السلوك والتربية الروحية، مع عدم إغفال المعنى الظاهري.
الزهد العملي: عُرف عنه التقشف الشديد والورع، وميله إلى العزلة والانقطاع للعبادة. وكان يرى أن التدبر الحقيقي للقرآن لا يتم إلا بصفاء القلب وزهده عن الدنيا.
العقيدة السليمة: كان على عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكنه كان يميل إلى التوحيد الصوفي الذي يركز على الفناء في الله والمحبة الإلهية.
ثالثاً: المحنة والوفاة (الفتنة العقائدية):
كانت فترة حياة ابن برجان في الأندلس هي فترة انتقال الحكم من دولة المرابطين إلى دولة الموحدين، وهي فترة شهدت اضطراباً فكرياً وسياسياً:
الخلاف العقدي: أثار ابن برجان ببعض تأويلاته الصوفية للقرآن - خاصة في تفسير أسماء الله الحسنى - حفيظة بعض فقهاء الظاهر. كما نُسبت إليه بعض الأقوال المتعلقة بالغيبيات.
القبض عليه: بسبب هذه التأويلات، أمر علي بن يوسف بن تاشفين (أمير المرابطين) بالقبض عليه، ونُقل ابن برجان إلى مراكش.
الوفاة في السجن: توفي ابن برجان في سجن مراكش سنة 536 هـ. هذه النهاية تُعد محنةً كبيرةً لرمز من رموز العلم والزهد في الأندلس.
لقد ظل ابن برجان موضع احترام لكبار علماء الأندلس، الذين أثنوا على علمه وعبادته، رغم تحفظهم على بعض تأويلاته الصوفية التي رأوا فيها جرأة.
رابعاً: الأثر الدائم:
يُعد ابن برجان من أوائل من أدخلوا نوعاً من التصوف النظري والتأويلي العميق إلى الأندلس، وقد كان لكتاباته أثر كبير فيمن جاء بعده، خاصة في إشبيلية والمغرب. يمثل ابن برجان الجمع بين إمامة علوم القرآن وشدة الزهد.