التعريف به:
الشيخ أبو محمد، عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن جنكي دوست الجيلاني، الحنبلي، الصوفي.
أولاً: النشأة والتحصيل العلمي في بغداد:
وُلد الشيخ عبد القادر الجيلاني في جيلان (جنوب بحر قزوين). في سن مبكرة (قيل الثامنة عشرة)، رحل إلى بغداد، التي كانت مركز الخلافة العباسية وموطن أكبر المدارس العلمية.
في بغداد، عكف الجيلاني على طلب العلوم الشرعية بجدّ، وتفوق في:
الفقه الحنبلي: أخذه عن كبار علماء الحنابلة، وتفقه حتى أصبح مرجعاً في المذهب، وعُرف ببراعته في الخلاف بين المذاهب.
الحديث: تتلمذ على كبار المحدثين حتى حصل على إجازات عديدة.
التصوف: لزم الشيخ حماد بن مسلم الدبّاس، وغيره من شيوخ الزهد والسلوك في بغداد، حتى سلك طريق الجنيد البغدادي في التزام الشريعة.
كانت سنوات طلبه للعلم مترافقة مع سنوات من الرياضة الروحية والزهد الشديد في صحاري العراق، حتى أصبح مضرب المثل في القناعة والتقشف والورع.
ثانياً: الإمامة في الوعظ ومؤسس الطريقة القادرية:
بعد فترة طويلة من العزلة والرياضة، بدأ الجيلاني مسيرته كواعظ ومُدرّس في بغداد، حيث كان مجلسه في مدرسته ورباطه مجمعاً للفقهاء والصوفية والعامة.
قوة الوعظ: اشتهر بمواعظه المؤثرة التي كانت تحرك القلوب وتدعو إلى التوبة والزهد والعمل بالآخرة. نُقل أن الآلاف كانوا يحضرون مجلسه، وكثير منهم كانوا يعلنون التوبة على يديه. هذه المواعظ جُمعت في كتب مثل "فتوح الغيب".
التأسيس للطريقة: يُعتبر الشيخ عبد القادر الجيلاني المؤسس الروحي للطريقة القادرية، وهي أولى الطرق الصوفية الكبرى التي انتشرت عالمياً. كان منهجه يقوم على الزهد المطلق، والعبادة المتقنة، والتمسك بالقرآن والسنة (خاصة على المذهب الحنبلي)، مع الابتعاد عن الجدل الكلامي والفلسفي.
مرجعية الشيوخ: كان الجيلاني شيخاً للعديد من الأقطار، وخرج من تلاميذه مريدون نشروا طريقته في مصر، والشام، وشمال أفريقيا، وآسيا الوسطى.
ثالثاً: مكانته في الزهد والكرامات:
لقب الشيخ عبد القادر بـ "غوث الأعظم" و "محيي الدين" لما عُرف عنه من:
الزهد العملي: يُروى أنه لم يأكل طعاماً لذيذاً ولم يلبس ثياباً فاخرة قط، وكان قمة في التقشف والورع.
العبادة الشديدة: كان من العباد الذين جمعوا بين الفقه والعبادة، وقيل إنه كان لا ينام إلا قليلاً ويحيي الليالي بالصلاة والذكر.
الكرامات المروية: نُقلت عنه كرامات كثيرة جداً، تناقلها مؤرخو عصره ومن بعدهم، وقد أسهمت هذه الكرامات في تعظيم مكانته في نفوس العامة والخاصة.
في كتابه "الغنية"، قدم الجيلاني منهجاً شاملاً في الزهد والعقيدة والآداب الشرعية، مؤكداً على أن التصوف لا يخرج قيد أنملة عن الشريعة الإسلامية.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد سنة 561 هـ، ودُفن في مدرسته ورباطه الذي تحول إلى ضريح شهير يُزار حتى اليوم.
أثره لا يُقدّر بثمن، حيث بقيت الطريقة القادرية من أعظم وأوسع الطرق الصوفية انتشاراً في العالم (من المغرب العربي إلى جنوب آسيا)، وهي تمثل نموذجاً للتصوف العملي الملتزم بالشريعة، والمتمسك بالورع والعبادة والزهد، وهو ما جعله أحد أركان التصوف الإسلامي على مر العصور.