التعريف به:
هو أحد سادات الصالحين الكرام قال عنه أبو نعيم: «ومنهم: أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنوري، أحد الأئمة، له اللسان الجاري بالبيان الشافي عن أسرار المتوجهين إلى الباري، لقي أحمد بن أبي الحواري، وصحب سريا السقطي، يُعرف بابن البغوي».
مناقبه ومروياته:
روي عن عبد المنعم بن حيان يحكي عن أبي سعيد الأعرابي محنته وغيبته عن إخوانه في أيام محنة غلام الخليل، وأنه أقام بالرقة سنين متخليّا عن الإيناس، ثم عاد بعد المدة المديدة إلى بغداد، وفقد أناسه وجلاسه وأشكاله وانقبض عن الكلام لضعف في بصره وانحلال في جسمه وقوته.
وروي عن عثمان بن محمد العثماني، ثنا أبو بكر محمد بن حمدان، ثنا محمد بن أحمد أبي سفيان، ومحمد بن علي القحطبي، قالا: قدم أبو الحسين النوري وكان صوفيا متكلما في بعض قدماته من مكة في غير أوان الحج، فخرجنا فاستقبلناه فوق بغداد، فرأينا في وجهه تغيرا؛ فقلنا: يا أبا الحسين. تغير الأسرار من تغير الأبشار؛ فقال: إلا إن الحق تحمل كل كل، وثقل عن قلوب أوليائه، ثم أنشدني:
أَخْرِجْنِي مِنْ وَطَنِى كَمَا تَرَى صَبَّرْنِي صَرْنِي كَمَا نَرَى أَسْكُنْ قِفَرَ الدِّمَن
إذَا تَغَيَّتَ بَدَا وَإِنْ بَدَا غَيِّنِي وَافَقْتُهُ حَتَّى إِذَا وَافَقَنِي خَالَفَنِي
يَقُولُ: لَا تَشْهَدُ مَا تَشْهَدُ أَوْ تَشْهَدُنِ
وروي عن أبي الحسن بن مقسم يقول: رُئي النوري في رجوعه من الحرم ولم يبق منه إلا خاطره؛ فقال له رجل هل يلحق الأسرار ما يلحق الصفات؟ فقال: لا. إن الحق أقبل على الأسرار فحملها ، وأعرض عن الصفات فمحقها، ثم أنشأ يقول:
هَكَذَا صَيَّرَنِي أَزْعَجَنِي عَنْ وَطَنِي غَرَّبَنِي شَرَّدَنِي شَرَّدَنِ غَرَّبَنِي
حَتَّى إِذَا غِبْتُ بَدَا وَإِنْ بَدَا غَيَّبَنِي وَاصَلَنِي حَتَّى إِذَا وَاصَلْتُهُ فَاصَلَنِي
يَقُولُ: لَا تَشْهَدْ مَا تَشْهَدُ أَوْ تَشْهَدُنِ
وروي عن عمر البناء البغدادي - بمكة - يحكى لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلى الزندقة، أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ في جملة من أخذ النوري في جماعة، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوري مبتدرًا إلى السياف ليضرب عنقه؛ فقال له السياف: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟
فقال : آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمره إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى قاض القضاء، وكان يلي القضاء يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فقدم إليه النوري فسأله عن مسائل في العبادات والطهارة والصلاة فأجابه، ثم قال له: وبعد هذا الله عباد يسمعون بالله وينظرون بالله ويصدرون بالله ويردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله.
فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة؛ فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة فليس في الأرض موحد، فأمر بتخليتهم، وسأله السلطان يومئذ: من أين يأكلون؟
فقال: لسنا نعرف الأسباب التي يستجلب بها الأرزاق، نحن قوم مدبرون، وقال: من وصل إلى وده أنس بقربه، ومن توصل بالوداد فقد اصطفاه من بين العباد.
وروي عن أبي الفضل الهروي، قال حكي لي عن جعفر بن الزبير الهاشمي: أن أبا الحسين النوري دخل يوما الماء، فجاء لص فأخذ ثيابه، فبقي في وسط الماء، فلم يلبث إلا قليلا حتى رجع إليه اللص معه ثيابه فوضعها بين يديه وقد جفت يمينه؛ فقال النوري: رب قد رد علي ثيابي فرد علیه یمینه، فرد الله عليه يده ومضى.
وروي عن أبي الفرج الورثاني يقول: سمعت علي بن عبد الرحيم يقول: دخلت على النوري ، يوم فرأيت رجليه منتفختين، فسألته عن أمره؛ فقال: طالبتني نفسي بأكل التمر، فجعلت أدافعها فتأبى عليَّ، فخرجت فاشتريت، فلما أن أكلت قلت لها: قومي حتى تُصلّي فأبت؛ فقلت: الله عليَّ وعلي إن قعدت على الأرض أربعين يوما، فما قعدت.
وروي عن عبد المنعم بن عمر يقول: سمعت أبا سعيد بن الأعرابي يقول: سمعت أبا بكر العطار يقول: حضرت الجنيد أبا القاسم عند الموت في جماعة من أصحابنا، قال: وكان قاعدًا يُصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها فمد رجليه، فرآه بعض أصدقائه ممن حضر ذلك الوقت يقال له: البسامي وكانت رجلا أبي القاسم تورمتا؛ فقال: ما هذا يا أبا القاسم؟ قال: هذه نعم الله، الله أكبر، فلما فرغ من صلاته، قال له أبو محمد الجريري: يا أبا القاسم لو اضطجعت؛ فقال: يا أبا محمد هذا وقت منة، الله أكبر، فلم يزل ذلك حاله حتى قال الشيخ: كان الجنيد رحم الله من أحكم علم الشريعة، فكان عنده اقتباس آثار الزريعة، وقبوله المدرجة البديعة، وكان القيام بحقائق الآثار يدفعه عن الرواية والآثار.
الرئيسة