التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو الإمام القاضي المؤرخ عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الأنصاري الخزرجي، المعروف بـ تاج الدين السبكي. ولد بالقاهرة عام 717 هـ. هو نجل الإمام تقي الدين السبكي (الذي تناولنا ترجمته الأولى)، وقد نشأ في كنف والده العالم الجليل، فتلقى عنه وعن شيوخ عصره علوماً غزيرة في الفقه، والأصول، والحديث، والتاريخ، والأدب، والتصوف. ظهرت نجابته مبكراً، وتولى التدريس والفتوى وهو في مقتبل العمر.
منزلته في العلم والسلوك:
توارث تاج الدين السبكي الإمامة في العلم والقضاء والسلوك عن والده، وكان يشار إليه بالبنان في سعة علمه وحسن إدراكه. جمع بين وظيفة قاضي القضاة والتدريس في كبرى المدارس بدمشق ومصر، ومع ذلك لم تشغله هذه المناصب عن الإقبال على العبادة والتصنيف.
منهجه في السلوك:
تأثر تاج الدين السبكي بوالده في الجمع بين الفقه والتصوف السني المعتدل. كان يرى أن التصوف الحق هو علم عملي يُهذّب النفوس ويقوّي الوازع الديني، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشريعة وأحكامها. عُرف عنه الورع والعدل في القضاء، وهو ما يُعد تطبيقاً عملياً للزهد. كان متجرداً عن متاع الدنيا، فلم يجمع المال ولم يُغتر بالمناصب، بل كان ينظر إليها على أنها تكليف شرعي ومسؤولية عظيمة.
زهده وعبادته:
وصفه تلاميذه ومؤرخو عصره بأنه كان كثير العبادة، شديد المحافظة على الأوراد والأذكار، لا يشغله القضاء والتدريس عن قيام الليل وصيام النوافل. كان يرى الزهد ليس في ترك المال لذاته، بل في إخراج الدنيا من القلب وعدم التعلق بها. وقد عُرف عنه شجاعته في قول الحق، وموقفه الثابت ضد الظلم، وهو سلوك يدل على علو مرتبته الروحية وزهده في رضا المتنفذين.
مؤلفاته وأثره:
ترك تاج الدين السبكي مجموعة من المؤلفات القيمة التي خلدت ذكره، أشهرها:
طبقات الشافعية الكبرى: وهو من أهم كتب التراجم، يوثق فيه حياة علماء الشافعية، ويتضمن رؤى عميقة في مسائل العلم والسلوك.
جمع الجوامع: وهو متن مهم جداً في أصول الفقه، أضحى المرجع الأول في هذا الفن.
معيد النعم ومبيد النقم: كتاب في الأخلاق والآداب والسلوك، يُعد مرجعاً في الوعظ والتذكير.
توفي تاج الدين السبكي بالطاعون عام 771 هـ بدمشق، تاركاً إرثاً علمياً هائلاً ومدرسة فقهية صوفية متميزة.
الرئيسة