التعريف به:
الاسم والمولد والنشأة:
هو الإمام صدر الدين أبو المعالي محمد بن إسحق بن محمد بن يوسف، المعروف بـ "صدر الدين القونوي". وُلد في مدينة مَلَطْيَة (في الأناضول، تركيا حالياً) عام 605 هـ (الموافق 1208 م). توفي والده في صغره، فتزوجت والدته بالشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (الذي تناولناه سابقاً)، الذي أصبح بذلك زوج أمه وشيخه الروحي ومعلمه الأساسي. انتقل القونوي إلى قونية، حيث عاش معظم حياته وأصبحت مركزاً لعلمه.
تكوينه العلمي والروحي:
تلقى صدر الدين القونوي علومه الشرعية على أيدي كبار علماء الشام والأناضول، وبرع في الفقه الحنفي وعلوم الحديث، حتى صار من كبار علماء عصره. لكن أهم تكوينه كان في التصوف النظري والفلسفي، حيث تربى تربية مباشرة على يد ابن عربي، الذي ورث منه علمه في "وحدة الوجود" و "الإنسان الكامل"، وأصبح القونوي الناقل الأساسي والمحقق الأول لأفكار ابن عربي.
دوره ومنهجه الفكري (شارح ابن عربي):
يُعدّ القونوي الركيزة التي حفظت فكر ابن عربي وحققته ونشرته في المشرق. قام بدور الوسيط بين التصوف الفلسفي الأندلسي (ابن عربي) والتصوف الخراساني (الذي كان يمثله جلال الدين الرومي). تميز منهجه بما يلي:
المدرسة التوحيدية:
كان يدور فكره حول تحقيق التوحيد الخاص (توحيد العارفين) وشرح مراتب الوجود والأسماء الإلهية، مستخدماً مصطلحات ابن عربي.
المنهج الفلسفي:
كان يجمع بين البرهان العقلي (الفلسفة) والكشف الروحي (التصوف)، مما جعل كتاباته عميقة جداً.
علاقته بجلال الدين الرومي:
عاش القونوي في قونية بالتزامن مع شيخ العشق الإلهي جلال الدين الرومي (الذي تناولناه سابقاً). كانت بينهما علاقة محبة وتقدير عميقة. كان القونوي عالماً مفكراً، بينما كان الرومي شاعراً ذواقاً، وكانا يتبادلان الحضور والمجالس. يُروى أن الرومي كان يحضر دروس القونوي، وكانا يمثلان معاً الذروة الفكرية والروحية لمدينة قونية في القرن السابع الهجري.
أبرز مؤلفاته:
"إعجاز البيان في تفسير أم القرآن": تفسير سورة الفاتحة بأسلوب صوفي عميق، يُعدّ من أهم أعماله.
"مفتاح الغيب": كتاب في التصوف النظري وشرح مراتب الوجود.
"النفحات الإلهية": رسالة صوفية قصيرة.
وفاته وتأثيره:
توفي صدر الدين القونوي في قونية عام 672 هـ (الموافق 1273 م)، ودُفن فيها، في نفس العام الذي توفي فيه صديقه جلال الدين الرومي. كان لوفاتهما المتقاربة أثر بالغ في الساحة الروحية. القونوي يُعتبر الأب الروحي والفكري لجيل من شارحي فكر ابن عربي الذين جاؤوا من بعده، وترك بصمة لا تُمحى على التصوف في الأناضول والمشرق.
الرئيسة