التعريف به:
هو: الإمام القاضي، أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، السبتي، المالكي.
أولاً: النشأة والتحصيل العلمي والمكانة:
وُلد الإمام عياض في سبتة، التي كانت مركزاً علمياً وثقافياً في المغرب الأقصى. نشأ في بيت علم، وتلقى علومه الشرعية على كبار شيوخ المغرب والأندلس. رحل في طلب العلم إلى الأندلس والمشرق (سمع من علماء قرطبة وإشبيلية).
كان القاضي عياض متبحراً في علوم الحديث والفقه (على المذهب المالكي) واللغة والتاريخ. كان بارعاً في الرواية والضبط، حتى لُقّب بـ "شيخ القضاة" و "إمام المغرب".
تولى القاضي عياض منصب القضاء في سبتة وغرناطة، وهو منصب رفيع وشاق جداً. أداؤه لهذا المنصب بالعدل والنزاهة، مع قوة شخصيته، جعله يحظى بمكانة فريدة.
ثانياً: الزهد والورع في القضاء:
يُعد القاضي عياض مثالاً للفقيه الذي جمع بين غزارة العلم وتقليد أعلى المناصب (القضاء)، وبين الزهد والورع والتقوى:
العدل والورع في الحكم: عُرف القاضي عياض بـ نزاهته المطلقة في القضاء، وعدم خوفه من لومة لائم، وكان لا يداهن أحداً في الحق، حتى في التعامل مع الأمراء والسلاطين. هذا الاستغناء عن الدنيا ومصالحها هو جوهر الزهد.
الزهد عن الجاه: كان عياض زاهداً في المظاهر، ولم ينشغل بزينة الدنيا، رغم علو شأنه. كان يرى أن القاضي يجب أن يكون ورعاً جداً لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالذمم.
العناية بسيرة النبي: يُظهر كتابه الخالد "الشفا" عمق محبته للنبي صلى الله عليه وسلم وشدة تأثره بسيرته، التي هي النموذج الأعلى للزهد والعبادة، وهذا دليل على ميله الروحي.
ثالثاً: مساهماته العلمية والأخلاقية:
أهم إسهاماته التي عكست عمق شخصيته:
"الشفا بتعريف حقوق المصطفى": هذا الكتاب هو تحفة في التعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وحقوقه. وقد اشتهر الكتاب في العالم الإسلامي، وأصبح أساساً لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتأدب معه، وهو عمل روحي كبير.
"ترتيب المدارك": عمل موسوعي في تراجم فقهاء المالكية، وهو مرجع في تاريخ الفقه، ويُظهر دقة القاضي عياض في الرواية والتحقيق.
وقد نُقلت عن القاضي عياض أقوال كثيرة في التواضع، والابتعاد عن الغرور، ومحاسبة النفس، وهي أقوال تتفق مع منهج الزهاد.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
عاش القاضي عياض فترة مضطربة في الأندلس والمغرب (صعود دولة الموحدين). كان له موقف من بعض اجتهادات الموحدين، مما أدى إلى معاناته في أواخر حياته. توفي القاضي عياض في مراكش سنة 544 هـ.
يُعد القاضي عياض نموذجاً للورع المالي والشخصي في أداء الوظيفة العامة، والمثال للفقيه الذي وظف علمه لخدمة الأمة ونشر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بذلك بين علوم الظاهر والعبادة والزهد.
الرئيسة