التعريف به:
هو فضيلة الشيخ العارف، محمد الحافظ، بن عبد اللطيف، بن سالم التجاني المصري المالكي الحسيني، يتصل نسبه الكريم إلى سيدنا الإمام الحسين، بن سيدنا علي بن أبي طالب- كرم الله وجه ورضي عنه- وابن سيدتنا الكريمة، السيدة فاطمة الزهراء- رضي الله عنه- ابنة سيدنا ومولانا رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
مولده:
وُلِدَ- رضي الله عنه- في عام خسمة عشر وثلاثمائة وألف، من الهجرة النبوية المشرفة (1315هـ)، في ربيعٍ الثاني، في بلدة «كفر قورص»، مركز «أشمون»، بـ «المنوفية» في مصر.
نشأته:
يقول الشيخ محمد عال بن فتى، شيخ الإسلام بموريتانيا: «لقد نشأ شيخنا الحافظ بين أبوين كريمين عفيفين، حريصين على تربيته وتعليمه، أحسن تربيه وتعليم، وقد ظهر عليه أثر ذلك ولله الحمد، {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه}.
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة ** وتغرس إلا في منابتها النخل
حُبِّبَ إليه الاشتغال بطلب العلم منذ نعومة أظفاره، فقرأ القرآن الكريم، واللغة، والتفسير، والفقه، والحديث، والأصول وغيرها، على كبار علماء عصره، وصحب الكثيرين من العلماء، وكان يلازم العالمَ حتى يحصل على كل ما معه من العلم، ويدخل مكتبته فلا يخرج منها إلا بعد أن يقرأ جميع ما فيها مما لم يَسبق له قراءته، وقد وهبه الله ذاكرةً عجيبةً، وحافظةً واعيةً على شدة ذكاء، فكان لا يسمع شيئًا ولا يقرأ شيئًا إلا حفظه ووعاه، كأنما أورثه الله حال سيدنا أبى هريرة رضي الله عنه.
وأفاض الله عليه من العلم اللدني ما أفاضه على أكابر أوليائه وهو في سنه المبكرة، وقال الشيخ إبراهيم المرسي -رحمه الله: إن أحد السادة العلماء من أساتذة الأزهر الشريف -وهو الشيخ محمد المصيلحي خليل- كان يُجلسه على حجره في صحن الأزهر، ويقول: « من أراد أن يسأل عن شيء، فليسأل هذا الفتى الصغير»، فيفيض الله عليه من العلوم ما تقر به أعين السادة العلماء والطلاب، مع اندهاشهم من سعة علمه مع صغر سنه.
وكان من حرصه في البحث عن كتب السنة، أنه إذا رأى في أي مكتبة مخطوطًا من المخطوطات النادرة؛ فإنه يحرص على اقتنائها، إما بنقلها أو بتصويرها، مهما كلّفه ذلك من جهد ومال، ويحاول أن يطبع ما يستطيع طبعه منها.
وكان وهو يلقي خطبة الجمعة أو يلقي عظة أو درسًا، كأنما هو الغيث المنهمر من عالم الغيب من العلم المكنون، الذى يفيضه الله على قلوب أحبابه، علم لم يسبق أن قرأه أحد في كتاب أو سمعه من عالم؛ فيأخذ بألباب مستمعيه وعقولهم وقلوبهم.
وقد شغف بالعلم، وحُبِّبَ إليه الاشتغال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدريسه، فكان يقول: «إن من مِنَنِ الحق تبارك وتعالى عليَّ، أنْ علق قلبي بكتب السنة المطهرة، والبحث عنها والتفتيش عليها خلال سياحاتي».
شيوخه:
قرأ القرآن على الشيخ عبد الله حماده، والشيخ سليمان البنا برواية حفص، وقرأ بعضه على الشيخ خليل الجنايني، عن الشيخ متولي شيخ القراء بمصر، وقرأ اللغة على الشيخ يوسف الكومي، والشيخ محمد المهدي، والشيخ إسماعيل الإسلامبولي، وقرأ الفقه المالكي على الشيخ عبد المنعم القاسم الفقيه المالكي، وأخذ التفسير عن الشيخ يوسف الدجوي، وقرأ الأصول على الشيخ محمد ماضي البنهاوي -وكان علامة الأصول في الأزهر في وقته- والشيخ السكندري، ولازم العارف بالله تعالى سلامة العزامي القضاعي الشافعي- إمام عصره في سائر العلوم الدينية والفنون- وكفاه القراءة عن جميع تلاميذه مدة مصاحبته له.
والشيخ محمد زاهد الكوثري، و العلامة السيد أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، والشيخ محمد بن إبراهيم السمالوطي، والشيخ علي بن سرور الزنكلوني، والشيخ عبد الستار الدهلوي، والشيخ السيد علوي بن عباس المالكي، الشيخ محمد عبد الحي الكتاني، و شيخ المحدثين بالمشرق، الشيخ بدر الدين الحسني، وغيرهم كثير.
ومن تلاميذه: الشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد زكي الدين إبراهيم، والدكتور علي جمعه مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد عبد الباعث الكتاني، والدكتور سعد جاويش، والدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، وغيرهم كثير.
تصوفه:
كان في بدايته كثير التقشف والزهد والرياضة والمجاهدة، وكان يذكر الله ذكرًا كثيرًا، وعمَّر أوقاته بالعبادة والطاعة، وكثرة السهر في الذكر والأوراد، والبحث والتنقيب في دقائق العلوم والمعارف، وحُبِّبَ إليه العلم والعبادة، فيسر الله عليه بأنوار المعرفة وصفاء اليقين طريق الوصول؛ فنزحت عنه الأغيار، وحلَّت الأنوار والأسرار، وكان من صغره كثير الذكر، يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفطر إلا على لقمة صغيرة من الخبز الجاف، وسلك عدة طرق كالطريقة «الخلوتية» -وكانت طريقة أجداده- و«النقشبندية»، و«الشاذلية»، و«البيومية»، واشتغل بأذكار هذه الطرق حتى حصل على أعلى مقاماتها، وأُجيز من كبار مشايخها في إعطائها وتلقينها، وقد لبس الخشن من الثياب، وتجرد من الدنيا، وانقطع في الخلوات والصحراء للذكر والعبادة، وظهرت عليه آثار الفتح في صغره، وتولى- رضي الله عنه- تربية الخلق في هذه الطريقة المحمديةالتجَّانية، وربَّى فيها بخلوة وبغير خلوة، وتتلمذ عليه كثير من السادة العلماء من المشرق والمغرب، وأَذِنَهُم وأجازهم.
أخلاقه:
كان- رضي الله عنه- يعيش متواضعًا زاهدًا، لا يمتاز عن جلسائه ومريديه، يجلس ولا مجلس، يدخل على الأمراء بلباسه الذي يلبسه مع الفقراء، لا يتصنع لأحد بالغًا ما بلغ، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يُقر على منكر، ولا يتواضع لغني لغناه، ولا يقبل الهدية إلا ممن علم صدقه، ويكافئه عليها؛ تأسيًا بجده صلى الله عليه وسلم، وهو لا يُقابل أحدًا بما يسوءه، وهو من حسن الخلق والكرم بالمكانة التي لا تُدرك، لا تعلم شمالُه ما أنفقت يمينُه، متأدب بآداب السنة، مجانب كل بدعة وضلالة، ولا يظن أحد من أصحابه أنه أحب إليه من غيره؛ فهو يبش في وجوههم كلهم، يرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم، ويعظهم بالمواعظ آلتي تنشق لها الحجارة؛ لأن كل قول يخرج عليه كسوة القلب الذي منه خرج، فما خرج من القلب بصدق نية دخل القلب، وما خرج من اللسان لا يجاوز الآذان ا.هـ.
من كراماته رضي الله عنه:
لنذكر هنا واقعة حصلت ببلبيس عام 1921م فقد ألقى محاضرة أذهلت الناس، فتقدم بعدها إليه أحد الأشخاص، وقال له: إني أرى في وجهك آثار الخصوصية، وإن لدي ابنة أخت مريضة بمرض أعيى كبار الأطباء، وعجزوا عن معالجتها، ومن آثار هذا المرض أَنْ أَغْمَضَتْ عينيها فلا تستطيع فتحها، ولا أن يفتحها أحد، وتقلَّصت يدها وهي على صدرها، فلا تستطيع لها حراكًا، وشُلَّت حركتُها، وطال الأمد عليها.
فذهب الشيخ- رضي الله عنه- ومن معه إلى منزلها، وطلب رؤيتَها، ثم طلب سجادةً للصلاة، وُضِعت له في غرفة ليس فيها أحد، ووقف على السجادة والمرأة أمامه، والكل ينظر من أعلى النافذة، ثم رفع يديه ودعا بما شاء الله، ثم مد يديه فإذا بها تفتح عينها وتبسط يديها، وإذا بالمنزل يرتج بالتكبير والتهليل والزغاريد، ويخرج سيدنا بالفتاة يمسح بجُبَّتِه يدهَا من آثار اللحم المتآكل لطول المدة وعدم الحركة، والتزمه الناس بالتقبيل والدعاء والتبرك به، فكان يقول: «لا تقطعوني عن الله، فإن الله هو الفاعل المختار، وهو الشافي لا غيره، ولنتوجه جميعًا بشكره».
وحسبنا أن نذكر من كراماته المعنوية، أن كل من حضر مجلس وعظه وإرشاده، لا يفارق مكانه حتى يكون قد امتلأ قلبُه أمنًا وإيمانًا وتصديقًا وحبًّا وشغفًا لعمل الخير والرجوع إلى الله تعالى، عاملًا على مرضاته والتقرب إليه.
من جهوده العلمية:
كان جل اهتمامه نشر العلم في سائر الزوايا التي أنشأها بين المريدين والأحباب وعامة المسلمين، مع الحرص على التمسك بالشرع؛ فأسس بذلك مدرسه عالمية، منهاجها: التمسك بما أمر الله به: من أداء الفرائض، والبعد عن المحرمات ظاهرًا وباطنًا، والتقرب إلى الله بالنوافل، مع البعد عن الدعوى ومظاهر الرياء، فأسس جيلًا كاملًا على أعلى درجة ممكنة من التمسك بالكتاب والسنة: علمًا وعملًا وحالًا وسلوكًا، لا دعاوي ولا شعارات ولا مفاخرة، وحفظ على المسلمين عقيدتهم، بعد أن انتشر المبشرون والملحدون وأعداء الإسلام.
كما أنه أرسى قواعد التصوف الحق -علم تهذيب الأخلاق وتزكية النفس-على قواعده الشرعية الأصلية، التي هي ذروة التمسك بالكتاب والسنة، والتي كان عليها السلف الصالح رضوان الله عليهم جميعًا، ونفي كل ما خالف الشرع في ظاهره وباطنه، وقد حث تلاميذه على طلب العلم، وما من زاوية أنشأها في بلاد القطر إلا أقام بها مكتبة.
جهاده رضي الله عنه ضد الاستعمال الإنجليزي:
رغم اشتغال الشيخ بالذكر والعبادة، إلا أن ذلك لم يُنسه الجهاد في سبيل الله بالسلاح عندما يدعو الأمر إلى ذلك، فقد كان- رضي الله عنه- أحد القادة في ثورة سنة 1919م في مصر ضد الإنجليز، وحاربهم بشدة، وكان من قواد إحدى المعارك في أسيوط ضدهم، وذكر لنا على الطبيعة في مكان المعركة، الخطأ الفني الذي وقعوا فيه، ولولا هذا الخطأ لما بقى الإنجليز في أسيوط، حيث فتح الإنجليز الكوبري؛ وبهذا انقسم الثوار على جانبي النيل.
وقد قبض عليه الإنجليز وأودعوه أحد السجون، قال: «أدخلوني غرفة السجن وما كنت أشعر إذ ذاك وكان حاله حال من غلب عليه الوجد فلا يشعر بشيء، وكان المعروف عن هذا السجن أن الذي يدخله لا يخرج منه فدخلت وأغلقوا باب الغرفة علي، وبقيت ماشيًا في الغرفة، إلى أن خرجت من الجانب الآخر.
من مؤلفاته رضي الله عنه:
1 - ترتيب وتقريب «مسند الإمام أحمد». 2 - ترتيب «ذخائر المواريث» للنابلسي.
3 - ترتيب تخريج أحاديث «الإحياء» على حروف المعجم، وأمام كل حديث تعليق السيد مرتضى الزبيدي.
4 - تخريج أحاديث «جواهر المعاني». 5- تخريج أحاديث كتاب «اللمع» لأبي نصر الطوسي.
6 - حقق الأحاديث الضعيفة في «سنن الترمذي». 7 - «أهل الحق العارفون بالله السادة الصوفية».
وفاته رضي الله عنه:
أخبر الحاج عبد الحليم إبراهيم: أن الشيخ في مرضه الأخير، طلب منه ورقة وقلمًا، وقال: «اكتب: أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، لنا ولكم وللمسلمين» ثم وقع عليها رضي الله عنه.
وفاته:
تُوُفِّيَ منتصف ليلة الاثنين 29 جمادى الآخر 1398هـ، الموافق 5 يونيه سنة 1978م، رحمه الله رحمة واسعة، وجعل مقره في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
الرئيسة